السيد محمد باقر الصدر

376

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

وهكذا استطاع الإمام أن يسجّل في ذهنيّة الامّة بأقواله وأفعاله مفاهيم الدولة الإسلاميّة الخالدة وآياتها البيّنة ، فأصحبت دولةُ الإسلام التي عكسها تاريخ عليٍّ أملَ الإنسانيّة في كلّ العصور ، والعقيدةَ التي يتبنّاها المسلمون جميعاً في كلّ زمان وكلّ مكان . صحيح أنّ الإمام ( عليه الصلاة والسلام ) لم ينجح كلَّ النجاح في القضاء على المناوئين والمتربّصين بالدولة الإسلاميّة ؛ لأنّ المؤامرة الأثيمة على حياته المقدّسة التي انهار بها أعظم صروح الإسلام بعد صرح النبوّة قامت حائلًا دون تحقيق أماني الإسلام العذبة على يديه ، وضمان السيادة السياسيّة له بشكل ثابت . وصحيحٌ أنّ الإمام كان يؤلّب على نفسه ودولته جيشاً ضخماً من المنافقين والمارقين الذين ضاقوا بالحقّ ، ولم يجدوا عند عليٍّ ما يشبع نهمهم المحموم إلى المال والجاه ، فنقضوا « 1 » عليه وعارضوه بكلّ طَول وحَول ، فلم يفكّر الإمام لحظةً واحدة في مهادنتهم على حساب الحقّ ، وأن يسترضيهم بالوسائل التي لا تتّفق مع طبيعة الغاية المثلى ، فنجمت عن ذلك سلسلة من المشاكل السياسيّة التي رافقت خلافة الإمام إلى آخر أيّامها . كلّ هذا صحيح ، ولكن ماذا يضير عليّاً من ذلك كلّه وقد خرج من المعركة كما أراد وكما أراد له الإسلام ، ظافراً ، منتصراً ، قد ضرب للإسلام مَثَله الرفيع ، وركّز إلى الأبد في عقول الواعين من الامّة مفاهيم الدولة الإسلاميّة ، وطبع في أذهانهم صورتها الزاهية بكلّ ما تصبو إليه الإنسانيّة المهذّبة من القيم المادّيّة والمعنويّة ؛ فصلوات الله عليه وعلى جهاده ، وسلامٌ عليه يوم ولد ، ويوم مات ، ويوم يبعث حيّاً . وختاماً ، أرفع أكفّ الضراعة إلى الله سبحانه بأن يوفّق المسلمين جميعاً

--> ( 1 ) في البحث المطبوع : « فانتقضوا » ، أو أن يكون المراد : « فانتقدوه » .